طفلة في السابعة شعرت أن شخصًا غريبًا يتبعها… وما فعلته بعدها أنقذ حياتها

لمحة نيوز

كان من المفترض أن تكون مجرد عودة عادية من المدرسة.
هكذا بدأت الحكاية لا نذير يسبقها ولا علامة تعلن أن يوما بسيطا قد يتحول في لحظة إلى ذكرى لا تنسى.
كانت إيما باركر ذات الأعوام السبعة تسير بخطوات خفيفة في الشارع الهادئ حقيبتها الوردية ترتد على ظهرها بإيقاع صغير مع كل خطوة كأنها تذكرها بواجبات اليوم ودفاتر الحساب والقراءة.
كان السحاب نصف مفتوح فتبدو أطراف الدفاتر وكأنها تحاول الهرب من ضيق الحقيبة.
أما الوشاح المخطط الذي أصرت أمها أن تربطه حول عنقها صباحا فكان ينزلق عن كتفها مرة بعد أخرى مهما حاولت إيما أن تعيده إلى مكانه.
شدته ثم عاد لينزلق.
شدته ثانية ثم استسلمت له وهي تواصل السير.
كانت الشمس في آخر النهار ترسم ظلالا طويلة على الأرصفة والهواء باردا بما يكفي ليجعل أنفاسها تظهر خفيفة أمامها.
لكن ما لم يكن طبيعيا وما التقطته إيما قبل أن تدركه بعقلها هو ذلك الصمت.
كان الحي صامتا على غير العادة.
لا سيارات تمر.
لا أصوات أطفال.
لا حديث من شرفة قريبة.
حتى الكلاب التي اعتادت أن تنبح عند مرور الغرباء بدت وكأنها ابتلعت صوتها.
توقفت إيما لثانية رفعت رأسها ونظرت إلى الشارع الممتد أمامها.
كانت الأشجار عارية أغصانها ترتجف تحت همس الريح وذلك الهمس وحده كان يملأ الفراغ كأنه يشرح الصمت بدل أن يكسره.
قالت في نفسها

محاولة التخفيف 
ربما الجميع في الداخل ربما تأخروا اليوم
وأكملت السير لكن إحساسا غير مريح بدأ يتسلل إلى صدرها.
لم يكن خوفا واضحا بل شعورا ضبابيا كأن شيئا ما ليس في مكانه الصحيح.
وعندما اقتربت من عمارتها رأت الرجل.
كان يقف قرب المدخل كظل منفصل عن الظلال.
طويل القامة عريض الكتفين يرتدي ملابس سوداء من رأسه حتى قدميه.
معطف أسود طويل ياقة مرفوعة ووشاح داكن يغطي جزءا كبيرا من وجهه فلا يظهر سوى عينين ثابتتين حادتين.
لم يكن ينتظر أحدا.
لم يكن ينظر إلى هاتفه.
لم يلتفت يمينا أو يسارا.
كان ينظر إليها.
توقفت إيما فجأة.
كأن الأرض أمسكت قدميها ومنعتهما من الحركة.
تسارع نبض قلبها حتى شعرت أن صدرها يضيق وأن الهواء لم يعد يدخل رئتيها بالسهولة ذاتها.
قبضت على حزام حقيبتها الصغيرة بقوة وشعرت بكفيها تبتلان دون أن تفهم لماذا.
حاولت أن تقنع نفسها بأنها تبالغ 
ربما ساكن جديد ربما عامل ربما ينتظر أحدا من سكان العمارة.
لكن ذلك الإحساس الغامض بالخطر كان يتضخم بدل أن يهدأ وكأن روحها تتقدم خطوة أمام عقلها وتقول له انتبه.
وفي تلك اللحظة تحرك الرجل.
خطا خطوة إلى الأمام.
ثم ثانية.
لم يكن يمشي بسرعة بل ببطء محسوب كأنه لا يريد أن يفوته أن تراه.
ثم أدار رأسه قليلا مسح الشارع بنظرة خاطفة يتأكد.
لا أحد.
شعرت إيما أن قلبها
يدق في أذنيها وأن الأصوات كلها اختفت إلا ذلك الدق المتسارع.
بدأ الرجل يقترب أكثر.
وهنا دون أن تدري كيف عاد إلى ذاكرتها صوت والدها واضحا كأنه يقف بجانبها تماما 
إذا شعرت بأن هناك شيئا غير طبيعي لا تتجاهلي إحساسك. اصنعي ضوءا. اصنعي صوتا.
تذكرت تلك الكلمات وهي تقال لها في ليلة سابقة حين كان والدها يشرح لها بلطف شديد كيف تحمي نفسها إن شعرت بالخطر.
لم يقل لها كوني قوية فقط بل أعطاها خطة بسيطة 
لا تختبئي في الصمت واجهي الخطر بإظهار وجودك.
والآن كانت بحاجة لتلك الخطة.
الرجل اقترب خطوة إضافية.
والعمارة خلفه بدت كفم مظلم مدخل ضيق ودرج يصعد إلى الأعلى والإنارة الداخلية لا ترى من الخارج بوضوح.
كان عليها أن تختار بسرعة.
تركض
تصرخ
تدخل وتغلق الباب
وفي لحظة واحدة لحظة قصيرة جدا لكنها فاصلة اتخذت إيما قرارا لم يتوقعه أحد من طفلة في عمرها.
قرارا لم يكن مبنيا على الهروب وحده بل على شيء أذكى.
شدت حقيبتها إلى جانبها واستدارت فجأة نحو المدخل
لكنها لم تندفع إلى شقتها مباشرة.
بل اتجهت إلى شيء آخر
شيء سيجعل الظل الذي خلفها يتوقف ولو لثانية واحدة.
اندفعت إيما نحو مدخل العمارة بخطوات سريعة لا تركض تماما ولا تمشي ببطء.
كانت تعرف بدافع غامض أن عليها أن تبقى واعية لكل حركة لكل صوت لكل ثانية.
لم تلتفت خلفها.
لكنها
كانت تشعر به.
تشعر بثقله في الهواء وبقربه الذي صار أقرب مما ينبغي.
كأن المسافة بينهما لم تعد تقاس بالأمتار بل بالأنفاس.
دخلت المدخل وكان أول ما لاحظته هو العتمة.
الدرج ضيق والجدران مطلية بلون باهت والمصابيح في أعلى السقف مطفأة.
لطالما بدا هذا المكان عاديا في الأيام السابقة لكنه الآن كان مختلفا
كان يشبه فجوة بلا صوت.
في تلك اللحظة سمعت وقع خطوات خلفها.
خطوة.
ثم أخرى.
لم يعد الرجل يحاول التخفي.
ارتجفت يد إيما لكن عقلها على عكس جسدها كان يعمل بسرعة غير مألوفة.
كلمات والدها لم تغادر رأسها 
اصنعي ضوءا اصنعي صوتا.
رفعت يدها الصغيرة وبدأت تضرب مفاتيح الإضاءة واحدا تلو الآخر.
مفتاح ثم آخر ثم ثالث.
وفجأة
انفجر الضوء في الممر.
أضاءت المصابيح دفعة واحدة كأن المكان استيقظ من نوم عميق.
اختفت الظلال الحادة وتراجع السواد إلى زوايا الجدران.
توقفت الخطوات خلفها.
سمعت إيما صوت الرجل يزفرزفرة قصيرة حادةكأنه لم يتوقع هذا التحول المفاجئ.
لكنها لم تتوقف.
تقدمت نحو أقرب باب شقة ورفعت قبضتها المرتجفة ثم بدأت تطرق.
طرقة واحدة لم تكن كافية.
طرقت ثانية
وثالثة
ثم راحت تضرب الباب بكل ما تملك من قوة.
النجدة!
من فضلكم ساعدوني!
خرج صوتها مكسورا مرتجفا لكنه كان عاليا.
عاليا بما يكفي ليملأ الدرج وبما يكفي ليكسر ذلك الصمت الخانق
الذي كان يلف المكان منذ دقائق.
تردد صداها في الممر وارتد عن الجدران وكأن العمارة نفسها
 

تم نسخ الرابط