ضحك عليه وباعه أرضًا ميّتة… وبعد شهر عاد يرجوه قطرة ماء!

لمحة نيوز


فلم تعد تدهشه تقلباتها.
كان رودريغو واقفا أمامه منكس الرأس وقد انكسرت في داخله تلك الصورة القديمة التي كان يراها في المرآة كل صباح صورة الرجل المتجبر الذي لا يرد له طلب ولا يناقش له أمر. بدا الآن أصغر مما كان أضعف مما تخيل نفسه يوما. حاول أن يتكلم لكن صوته خرج متقطعا مبحوحا وكأن الكلمات تأبى أن تنقذه.
قال بصوت مكسور وقد خانته عباراته وتعثرت كرامته قبل لسانه
بعني قليلا من الماء أدفع لك ما تشاء. أعد إلي الأرض وسأعطيك ثلاثة أضعاف ما دفعته أنقذني.
لم يجبه ماتيو فورا. ظل واقفا في مكانه يحدق في رودريغو طويلا صامتا وكأن الزمن توقف بينهما. كان صمته أثقل من أي كلمة وأبلغ من أي عتاب. في تلك اللحظات انفتح في داخله شريط طويل من الذكريات رأى نفسه يوما جاثيا على الأرض يضم أوراق البيع بيدين مرتجفتين يسمع ضحكات السخرية تتردد فوق رأسه ويرى نظرات الشماتة في عيون الناس. رأى الرجل الذي أمامه وهو يضحك بلا رحمة لا يكتفي بأن يسلبه ماله بل يحاول أن يسلبه كرامته وأن يقتل فيه الأمل وأن يتركه يواجه العطش والمصير وحده.
لكن الصورة لم تكتمل عند هذا الحد. ففي اللحظة نفسها التي استعاد فيها ماتيو قسوة الماضي

لاح أمامه وجه آخر لرودريغو وجه لم يكن يعرفه من قبل. لم يعد ذاك الرجل الذي كان صوته يهز الوادي ولا ذلك المتجبر الذي كان يظن أن الأرض والماء والناس خلقوا لخدمته. كان أمامه الآن رجل أرهقه الزمن حتى نحت ملامحه وكساه الجفاف قسوة لم يعهدها في أيام الرفاه وانتزع منه غروره قطعة قطعة كما تنتزع القشرة اليابسة عن جرح قديم.
لم يبق من سلطته سوى ذكرى ولا من جبروته سوى ظل باهت. أوقفه القدر فجأة أمام حقيقته العارية وأجبره على مواجهة ضعفه دون وساطة مال أو نفوذ.
استدار ماتيو دون أن ينطق بكلمة. لم يكن صمته هروبا بل كان قرارا. كانت خطواته هادئة ثابتة محسوبة لا تحمل غضبا ولا ترددا كأنه يسير على يقين داخلي لا يحتاج إلى شرح. تقدم نحو بيته كما لو أنه ينسحب من معركة داخلية طويلة لا ليتركها معلقة بل ليحسمها بأكثر الطرق إنصافا.
راقبه رودريغو وهو يبتعد فغلبه الظن أن الرفض قد وقع وأن الأبواب التي أغلقها يوما في وجه هذا الرجل تعود الآن لتغلق في وجهه هو. انحنى رأسه أكثر وشعر بثقل غريب يجثم على صدره ثقل الهزيمة الحقيقية لا تلك التي تقاس بخسارة مال بل تلك التي تقاس بانكسار النفس. كان ثقلا لم يعرفه في حياته
مهما خسر أو ربح.
غير أن ماتيو لم يكن ذاهبا ليغلق بابا بل ليفتح معنى.
دخل بيته بهدوء وكأنه يدخل إلى أعماقه يستشير ضميره قبل أن يعود. لم يطل غيابه لكن تلك اللحظات بدت لرودريغو دهرا كاملا. ثم خرج ماتيو يحمل جرة ماء بارد صاف نقي يلمع تحت أشعة الشمس كأنه خلاصة الأرض كلها. بدا الماء فيها كأنه حياة سائلة وكأن الرحمة قد اتخذت شكلا يمكن لمسه وحمله.
ناول الجرة لرودريغو بيد ثابتة لا ترتجف ولا تتردد يد تعلمت من الفقر أن القوة الحقيقية ليست في المنع بل في العطاء وليست في الانتقام بل في السمو فوقه.
وقال بصوت هادئ خال من القسوة والتعالي يحمل وقار رجل عرف قدر النعمة بعد حرمان طويل
الماء لا يمنع عن أحد يا سيد رودريغو. فالعطش لا يعرف غنيا ولا فقيرا ولا يميز بين من ظلم ومن صبر عليه. أما أرضي فليست للبيع. لقد بعتني بئرا جافة لتميتني لكن الله وهبني نبعا ليعلمك أن ثروة الإنسان ليست فيما يملك ولا في عدد أراضيه ولا في صوته العالي بل في نقاء يده وصدق قلبه.
ارتجفت يد رودريغو وهو يتناول الجرة لا من ثقلها بل من ثقل اللحظة نفسها. كان كأنه يحمل بين كفيه اعترافه كله ماضيه وخطيئته وسقوطه. شرب ببطء قطرة قطرة
وكأنه يتذوق للمرة الأولى طعم التواضع الحقيقي طعم أن يحتاج الإنسان إلى غيره دون قناع.
شعر ببرودة الماء تسري في جسده المنهك تخفف من عطشه وتمنحه حياة مؤقتة لكنها لم تطفئ نار الندم المشتعلة في صدره تلك النار التي لا يطفئها الماء بل الصدق مع النفس.
رفع نظره فرأى ماتيو واقفا أمامه بثبات لا يتشفى بانتصاره ولا يتباهى بكرمه ولا ينتظر شكرا. كان يقف كما يقف من أدى واجبه الإنساني ثم سلم الأمر لضميره مطمئنا أن ما فعله هو الصواب مهما كانت النتائج.
غادر رودريغو المكان بخطوات متثاقلة وكل خطوة كانت تثقل قلبه أكثر. كان يعلم في قرارة نفسه أن الرجل الذي حاول تحطيمه يوما صار اليوم صاحب الكلمة في الوادي لا بقوة المال ولا بسطوة النفوذ بل بعدل الفعل ونبل الموقف وبقلب لم يفسده الظلم حين امتلك القدرة على الرد.
أما ماتيو فوقف بعد ذلك يراقب الماء وهو يسقي أرضه في هدوء. تأمل الحقول الخضراء وقد امتلأت حياة بعد موت وراقب الشمس وهي تنعكس على جداول الماء وسمع خريره كأنه صلاة لا تنقطع. عندها ترسخ في داخله درس صار جزءا من روحه درس لم ينسه ما عاش ولم يشك فيه يوما
حين تغلق شرور البشر بابا في وجهك تفتح عدالة الله
نهرا لا يجف.

 

تم نسخ الرابط