اتّصل ابني وقال: بِعتُ المنزل وسحبتُ أموالك ضحكتُ لأنّه لم يكن يعرف الحقيقة
مسمى سواء كان القربى أو العاطفة أو الذكريات المشتركة. هناك لحظات في حياة الإنسان يصبح فيها وضع الحدود فعل نجاة لا فعل قسوة واختيارا للحياة لا تخليا عن الآخرين.
بعد تلك الأحداث اتخذت قرارات لم أكن أظن يوما أنني سأمتلك الشجاعة لاتخاذها. بعت حق الانتفاع بالمنزل الذي عشت فيه سنوات طويلة والذي شهد أفراحا وأحزانا وذكريات لا تحصى وانتقلت إلى شقة صغيرة بسيطة مريحة وهي لي وحدي.
لم تكن الشقة فخمة ولا تطل على مناظر خلابة ولا تحمل أي مظاهر ترف. لكنها كانت تحمل شيئا أثمن من ذلك كله الإحساس بالاستقلال وبأنني أعيش وفق إيقاعي الخاص لا وفق توقعات الآخرين.
أعيش فيها اليوم ببساطة مقصودة. أرتب أيامي على مهل من دون استعجال ومن دون شعور بأنني مدينة لأحد بشيء. أعد قهوتي كما أحب وأجلس قرب النافذة في الصباح أفتحها على ضوء النهار وأتنفس دون خوف أو توتر. في هذا المكان الصغير تعلمت أن السلام الحقيقي لا يأتي من كثرة ما نملك بل من وضوح ما نقبل به وما نرفضه ومن قدرتنا على احترام أنفسنا قبل أي شيء آخر.
هذه القصة في جوهرها لا تتعلق بالانتقام ولا بتصفية حسابات
هي قصة عن فهم عميق أن حماية النفس لا تعني انعدام الثقة بالآخرين بل تعني تحمل مسؤولية الذات وصون الكرامة وعدم السماح بتجاوز الحدود مهما كانت الأعذار.
لم أتصرف يومها بدافع الغضب ولا بدافع الرغبة في العقاب أو الإيذاء ولم يكن في قراري نزعة انتقام أو محاولة لإثبات القوة. ما حركني حقا كان ذلك الوضوح الذي لا يأتي فجأة بل يتشكل ببطء بعد سنوات طويلة من الصمت والمراقبة والتفكير العميق. وضوح يجعل الإنسان قادرا على رؤية الأمور كما هي في حقيقتها لا كما كان يتمنى أن تكون ولا كما اعتاد أن يبررها لنفسه خوفا من المواجهة.
ذلك الوضوح لا يكون قاسيا بقدر ما يكون صادقا. إنه لحظة نادرة يصل إليها الإنسان بعد طول إنكار حين يدرك أخيرا أن التغاضي المتكرر لا ينقذ العلاقات كما كنا نأمل وأن التساهل الدائم لا يصنع سلاما حقيقيا بل يؤجل الانفجار ويؤخر المواجهة إلى وقت تكون فيه الخسائر أكبر. في تلك اللحظة تتكشف الحقيقة بلا أقنعة بعض الصبر
عندها فقط يصبح القرار نابعا من العقل لا من الجرح ومن الحرص على النفس لا من الرغبة في الإدانة أو العقاب. قرار لا يتخذ في لحظة غضب ولا تحت ضغط الألم بل بعد أن تهدأ العاصفة ويصفو الداخل ويعاد ترتيب الأولويات. هو قرار يشبه الوقوف أمام المرآة بصدق كامل والاعتراف بأن الاستمرار في الخطأ لم يعد فضيلة وأن حماية الذات ليست أنانية.
تعلمت أيضا أن الصمت ليس دائما ضعفا وأن السكوت لا يعني العجز أو الاستسلام كما يظن كثيرون. أحيانا يكون الصمت أعلى أشكال الوعي وأصدق تعبير عن السيطرة على الذات. يكون اختيارا واعيا لا هروبا وهدوءا نابعا من الفهم لا من الخوف. هو خطوة محسوبة لا ترددا ومساحة نلتقط فيها أنفاسنا قبل أن نقرر كيف نمضي ومع من وإلى أي حد نسمح للآخرين بالاقتراب من حدودنا الشخصية.
في هذا الصمت نتعلم أن نصغي إلى أنفسنا بعد أن طال انشغالنا بإرضاء الآخرين. نراجع ذواتنا بصدق نعيد تعريف ما نحتاجه فعلا وما نستحقه وما لم نعد مستعدين لتحمله مهما كانت الأعذار ومهما بدا التخلي مؤلما في بدايته.
الصمت في بعض
وإن سبق لأحد أن ظن أن له الحق في أن يقرر عنك أو أن يتحكم في حياتك أو ممتلكاتك أو اختياراتك من دون إذنك فتذكر هذه الحقيقة البسيطة التي تعلمتها بعد عمر طويل من التجربة
الصمت أيضا قد يكون استراتيجية حين يكون مقرونا بالحكمة والمعرفة لا بالخوف أو العجز.
إنه الصمت الذي يسبق الحسم ويهيئ للقرار لا الصمت الذي يدفن الألم ويطيل أمده.
وإن جعلتك هذه القصة تتأمل أو أيقظت في داخلك سؤالا كنت تؤجله خوفا من الإجابة أو دفعتك إلى مراجعة موقف تعيشه الآن في صمت فشاركها مع غيرك.
فأحيانا تجربة واحدة صادقة تروى في وقتها وبصدقها الكامل قد تكون الضوء الذي يساعد الآخرين على فتح أعينهم قبل فوات الأوان وقبل أن يدفعوا ثمنا كان يمكن تجنبه لو وضعت الحدود في الوقت المناسب وبالطريقة