طردوني لأنني أمّهم… فعدتُ أقوى مما تخيّلوا
خلف مكتب خشبي أرتدي بدلة بسيطة وأنيقة.
مرحبا بكما في أجنحة جديدة قلت.
نظرت دوروثي حولها بارتباك.
هل تعملين هنا
أنا من أسس هذا المكان أجبت.
كان الصمت كثيفا إلى حد يمكن لمسه.
ابتلع مارفن ريقه.
أمي ما كل هذا
حينها أخبرتهما. ليس بكل التفاصيل لكن بما يكفي أنني ربحت اليانصيب وأنني أنشأت برنامجا لمساعدة نساء في ظروف شبيهة بظروفي وأنني للمرة الأولى منذ عقود أشعر بأن لحياتي معنى يخصني.
غطى مارفن وجهه بيديه.
نحن طردناك تمتم.
دفعتموني صححت له لكنكم أيضا أيقظتموني.
مالت دوروثي إلى الأمام.
مارثا أنا آسفة. كنت حاملا وخائفة. كنت قاسية.
نظرت إليها بلا غضب.
لا أبحث عن اعتذار. أردت فقط أن تريا من أكون حين لا يقيدني أحد.
طلب مارفن العمل في المؤسسة. ليس كمعروف بل بجدية. كان مديرا ماليا سابقا ويمكنه إدارة الميزانيات. وافقت لكن كموظف بعقد وراتب عادل.
كانت الأشهر الأولى متوترة. اكتشف مارفن أن أغلب المستفيدات كن نساء مثلي أبناء جاحدون أزواج خائنون
قال لي ذات يوم
أمي لم أدرك حجم الامتياز الذي عشت فيه. كنت دائما موجودة. وحين احتجت أن أكون أنا موجودا فشلت.
نظرت إليه ورأيت الطفل الذي كانه يوما.
فشلت قلت بهدوء لكن لا يزال بإمكانك أن تفعل شيئا حيال ذلك.
أما دوروثي فقد بدأت التطوع في ورش دعم الأمهات العازبات. في البداية بدافع الواجب أكثر من القناعة لكن رؤية تلك النساء وهن يكافحن غيرتها. جاءتني يوما باكية
لم أكن أعلم معنى أن تكوني وحيدة فعلا. ظننته مجرد إزعاج. أنا آسفة.
أومأت برأسي. الغفران لا يمنح دفعة واحدة لكنه يبدأ بالاعتراف.
مع مرور الوقت لم تعد المؤسسة مجرد فكرة طيبة أو مبادرة صغيرة. كانت تكبر كما تكبر الشجرة حين تجد تربة صالحة وماء كافيا. افتتحنا مركزا ثانيا ثم ثالثا وكل مركز كان حكاية جديدة لنساء ظنن أن أعمارهن انتهت قبل الأوان. وجدت النساء الأكبر سنا سكنا مؤقتا آمنا بعد سنوات من القلق ودورات تأهيل مهني أعادت إليهن الثقة وشبكات دعم
كنت أراقبهن بصمت وأرى نفسي في كل واحدة منهن في ارتباك البداية وفي الارتجاف الخفيف حين يطلب منهن أن يثقن بأنفسهن من جديد. كنت أعلم أن المال ساعد لكن الأهم كان الإحساس بأن هناك من يمد لهن يدا لا ليقودهن بل ليسير إلى جوارهن.
واصلت الكتابة لا بوصفها هواية بل كوسيلة للبقاء متماسكة. كانت الكلمات تخرج مني كما يخرج النفس من صدر اختنق طويلا. قرأ أحد المحررين بعض نصوصي ثم تواصل معي باقتراح بدا لي في البداية أكبر من اللازم نشر مذكراتي. ترددت ثم وافقت. أطلقت عليها اسم النوم على الأريكة اسما بسيطا لكنه كان يحمل كل ما عشته من انكسار وانتظار. حقق الكتاب نجاحا متواضعا لكنه كان عميق الأثر. وفي حفلات التوقيع كانت نساء من مختلف الأعمار يقفن أمامي بعضهن بعيون دامعة ويقلن إنهن شعرن للمرة الأولى أن أحدا
وفي أحد تلك الأيام أثناء توقيع النسخ رأيت وجها مألوفا بين الحضور. كان مارفن وإلى جانبه دوروثي يحملان طفلهما بين أيديهما. تقدما بخطوات مترددة وكأن المكان لا يزال غريبا عليهما. وضعا الطفل بين ذراعي.
نريد أن يتعرف على جدته قال مارفن بصوت منخفض يحمل في طياته أكثر من معنى.
أمسك الطفل بإصبعي بقوة غير متوقعة كأنما يخشى أن أفلت منه. شعرت بشيء دافئ ينتشر في صدري لم يكن فخرا فقط بل أملا هادئا يشبه الضوء الذي يظهر بعد عاصفة طويلة. في تلك اللحظة أدركت أن العلاقات يمكن أن تنكسر نعم لكنها أحيانا تعاد صياغتها بشكل مختلف أقل براءة وأكثر صدقا.
لم أعد للعيش معهما ولم أرغب بذلك. لم يعد ذلك المكان بيتي ولم أعد أنا تلك المرأة التي تقبل أن تحشر في الزوايا. أصبحت لحياتي وجهة خاصة إيقاعها نابع مني لا من احتياج ولا من خوف. ومع ذلك استعدنا شيئا يشبه الاحترام لا ذاك القائم على الواجب بل ذاك الذي يولد من